لم تكن دكتوراة عادية 1

لم تكن دكتوراة عادية -1

.. ربما يكون حصولي على الدكتوراة في الهندسة من جامعة مرموقة لا يمثّل شيئاً هاماً بالنسبة للكثيرين…فما أنا إلّا رقم في سلسلة أرقام كبيرة جداً هي محصلة من حصلوا على الدكتوراة من جامعات ربّما تفوق في الترتيب العالمي جامعتي التي أشرُف أنها من أفضل 50 جامعة على مستوى العالم  …فما أنا إلّا رقم لو أُضيف إيجاباً أوسلباً لن يؤثر على قيمة الرقم الإجمالي.

أيضاً لن أدّعي أنني في رحلتي البحثية قد غيّرت العالم بنظريات واختراعات … نعم قد استطعت بفضل الله أن أنشر أكثر من 17 ورقة بحثية في مجلات ومؤتمرات عالمية … إلّا أن هذا الرقم أيضاً لا يُمثّل أي شىء مقارنة بما يتم نشره يومياً في المجلات والدوريات العلمية.

ولكن…الوضع بالنسبة لي مختلف….فأنا لا أعتبره كذلك… لا أعتبر حصولي على الدكتوراة شئ عادي وبسيط …

فمقدار التغيّر الذى أحدثه الله عز وجل في حياتي من كوْني طالباً في مدرسة في أقصى قرى مصر، حيث لا كهرباء ولا ماء نقي للشرب ولا أحد يهتم أصلاً بما يسمونها مدرسة إلى الحصول على أعلى الدرجات العلمية لا يمكن أن يكون مجرد رقم..

لن أدّعي أنني صاحب هذا الفضل … فأنا مؤمن أن هذا رزق من الله ومنة منه…. كذلك لوالديّ الفضل الأكبر بعد الله عز وجل في هذا.

أذكر أن رجلاً إقطاعياً كان والدي يعمل عنده، طالما ألحّ على والدي أن يخرجني من المدرسة …. إلّا أن والدي رغم أنه أُمّي إلّا إنه كان موقناً أن العلم هو السلاح الوحيد الذي يستطيع المرء أن يحارب به كل شىء.

أنا من مواليد محافظة كفر الشيخ…مركز فوه … قرية أبو دراز. انتقلت الأسرة إلى محافظه البحيرة وأنا في الصف الثاني الإبتدائي… انتقلنا الى قرية لا يوجد بها أي مُقوّم من مقوّمات الحياة … فلا يوجد كهرباء ولا يوجد ماء للشرب..

كنت أحضر الماء للأسرة في جراكن على الحمار من مسافة تزيد عن خمس كيلومترات…كانت اشبه بالغابة….

المدرسة كانت بعيدة جداً.. لا يوجد مواصلات ولا حتى طرق معبّده …. حتى المدرسة هُدمت في زلزال التسعينات..  أكملنا السنتين الأخيرتين في المساجد…. وفي بيت مهجور اتخذناه كفصول مدرسية…. كان عدد الطلاب بضع عشرات في كل فصل دراسي …. كنت متفوق جداً رغم غيابي المتكرر بسبب مساعدة والدي العزيز في الزراعة….. وقد أدرك مدرس الحساب أننى مميز … تعرّف على والدى… وقال له: “اهتم بالواد ده فهو شاطر”….. أنهيت المرحلة الابتدائية … حصلت على المركز الثاني على المدرسة…. انتقلت إلى المدرسة الإعدادية ….. التي تبعد أكثر من 20 كيلو متر عن قريتنا…. كنا نركب الحمير أو العجل للوصول إلى المدرسة …. كانت معاناة بمعنى الكلمة… خاصةً فى الشتاء… حيث الطرق الزراعية الغير صالحة للإستخدام الآدمي ….. كان ممنوع أن أتأخّر في المدرسة لأن هناك أعمال أخرى لابد من القيام بها بعد انتهاء المدرسة ….كان والدي رغم طيبة قلبه… إلّا أن ظروف الحياه كانت قاسية جداً… فكان التعامل بحزم شديد….

نظراً لضيق الظروف المادية…. لم يكن هناك مجال للدروس الخصوصية ولا حتى مجموعات التقوية….كنت استغرب من أن بعض أصدقائي يذاكرون دروسهم في النهار بعد المدرسة لأنه بالنسبة لي بعد المدرسة مباشرة هناك حقل وبهائم ومياه شرب وأشياء أخرى لابد أن تُقضَى…. في الليل على لمبة الجاز أكتب واجبي المدرسي… كنت أستمتع بحل مسائل الرياضيات…كنت بارعاً جداً في حلّها… لدرجة أن الأستاذ الأول في المدرسة الإعدادية … وهى كبيرة نسبياً… قال أنا أعمل في هذه المدرسة منذ زمن بعيد لم يمر علىّ طالب مثل محمد في براعته في التعامل مع المسائل الرياضية …. كانت مشكلتي الكبرى في اللغات … الانجليزية تحديداً ثم العربي…ربما هذه نقطة ضعفي إلى الآن

المرحلة الإعدادية بالنسبة لي كانت مليئة بأحداث كبيرة … ربّما يأتي الوقت لسرد بعضها…. أنهيت هذه المرحلة… وكان التحدي … هل أستكمل الدراسة في الثانوية العامة ؟ أم أذهب إلى التعليم الفني مثل كل الناس في قريتي والقرى المحيطة؟ …. ترك لي والدي الخيار … وأنا لم أكن أعرف جيداً ما الفرق … إلّا أنني أعرف أن الثانوية صعبة جداً … ويدرسون أشياء معقدة … في هذه المرحلة انتقلت الأسرة مرة أخرى إلى محافظة الإسكندرية … في العامرية تحديداً في قرية تُسمّى الفناجر … وقررت أن أدخل ثانوية عامة لأرى ما هي الأشياء الصعبة التي يتحدثون عنها.

أيضاً قريتنا الجديدة لا يوجد بها ماء ولا كهرباء… ربما أشد قحطاً من سابقتها… المدرسة الثانوية بعيدة جداً أيضاً … لابد من أن أركب مواصلات بعد أن أمشي خمس كيلو مترات لأصل للطريق السريع…. تأخرت شهر كامل عن بداية الدراسة …. ذهبت إلى المدرسة.. لا أعرف فيها أحداً …. الكل يبدو متفوق جداً ماعدا أنا …. كنت بلا منافس “أبلد واحد فى الفصل!” هكذا كنت أشعر في الفصل الدراسي الأول من أولى ثانوي… لم يدم هذا طويلاً … حتى تميّزت في الرياضيات والفيزياء… لم أعد أبلد الفصل … تعرّفت على أفضل مجموعة أصدقاء…وجاءت ثانية ثانوي … حيث المذاكرة التي لم أتعوّد عليها…والدروس الخصوصية التي لا أملك أن أدفع ثمنها…ولكن كان مثلي بعض الطلاب …. فتعاونّا وكنّا نذاكِر سوياً… كان كل واحد منّا يتولّى شرح المادة التي يُجيدها… وانتهت المرحلة الثانوية. حصلت على مجموع جيد ولكن لم أستطيع دخول كلية الهندسة بفارق واحد من عشرة فى المائة…. وكانت هذه كارثة بالنسبة لي … حيث كنت أظن أن دراسة الرياضيات فقط في كلية الهندسة …. مكتب التنسيق اختار لي كلية العلوم ….التي لم أكن أعرف عنها أي شىء، لم أعرف حتى أن هناك كلية تُسمّى كلية العلوم …ولكلية العلوم مقال اخر 🙂