لم تكن دكتوراه عاديه 5

قليل من التفصيل

سأرجع للوراء قليلاً لأحكي بشئ من التفصيل عن هذه الستة أشهر كما طلبتم…كان أول شئ يشغلني هو السكن … كان صديقي المسلم مستأجراً غرفة في بيت يسكنه فتاتين أستراليتين …استغربت الأمر في البداية … كانت هناك غرفة فارغي في المنزل … وقالوا يمكنني أن أستأجرها … حاولت أن أبحث عن أي بديل ولكنّي اكتشفت أن السكن هو أصعب شئ يمكن الحصول عليه في أستراليا … قبلت أن أستأجر هذه الغرفة … كانت هذه تجربة وخبرة جديدة ولكنها كانت مفيدة جداً … كانت إحداهما تعمل كمريضة لطلاب كلية الطب 🙂 نعم هذه وظيفة ودراسة أيضاً … الأخرى كانت تعمل كطبيبة في  تخصّص الأغذية الطبيعية … كان اسمها سارة … تعلّمت منها الكثير وكنت أعلّمها العربية 🙂 …. قالوا إن فكرتهم عن منطقتنا وعن المسلمين عامة تغيّرت بشكل كبير الآن…

كنت كل يوم أتعلّم جديد …لم أتاثّر كثيراً بما يسمونه culture shock أظن لأنني تعرّضت لها مرات في انتقالي من الريف إلى المدينة …

الجامعة… في غاية الجمال … لا يوجد حتى سور أو بوّابات … لا يوجد أمن ولا داخلية … فقط كل مبنى له بوابة دخول تدخله بالكارت الذي يعطونك إيّاه في أول يوم … من الطبيعي جداً أن تجد أطفال وكبار السن حولك في كل مكان … تجد أسر كاملة تأتى إلى مباني الجامعة … وتجلس في حدائقها التي لا مثيل لها … موظفوا الجامعة كل غايتهم هي أن يخدموك ويسهّلوا لك كل عقبة … لا يوجد الروتين الذي اعتدناه في جامعاتنا … في كل قسم تجد غرفة بها كل ما يمكن أن تحتاجه من أدوات … كأقلام وأوراق وماكينات تصوير وطباعة وكل شئ … تماماً كمكتبة متكاملة … كل شئ بلا ثمن … لا أحد يسألك … فقط أنت الرقيب على نفسك …

المسجد…به مجموعة شباب معظمهم من ماليزيا وأندونيسيا … يقدّسوك عندما يعرفون أنك تتحدّث العربية … يقدّموك في الصلاة … تراهم بين محاضراتهم يسرعون إلى المسجد ليلتحقون بدرس تعليم اللغه العربية … ترى الفرحة في أعينهم عندما يستطيعون أن ينطقوا آية بشكل صحيح ….ليس هذا فحسب … توفّر الجامعة لهم صالة كبيرة مرة كل أسبوع ليلاً ليدعوا شيخاً ليعطي درس مُطوّل … كنت مواظباً على حضوره فقد كان الشيخ أكثر من رائع … تعرّفت عليه وأصبحنا أصدقاء …

سيرجيو… إسم طالب الدكتوراة الذي كان يجلس معي في نفس المكتب … هو أيضاً مغترب … من كولومبيا  … ملحداً ..يحب شرب الخمر أكثر من أي شئ …ولكنه كان حاد الذكاء … بارعاً في الدراسة …. أصبحنا أصدقاءً مقربين … كان يستغرب لماذا أنا مسلم! … كان يقول لابد أن أشرب الخمر معه. لابد للعالِم أن يُجرّب كل شئ! … كان يقول أنني شاطر جداً وذكي … إذاً لماذا أنا مسلم؟؟!! … كان يكره المعتقدات والكتب السماوية … يعتقد أن الأنبياء ما هم إلّا أشخاصاً أذكياء استطاعوا أن يستغلوا الفقراء والأغبياء من الناس … كنا نتحدّث كثيراً جداً في كل شئ …. بعد فترة قال لي أنه قد حصل على نسخه من القرآن باللغة الإسبانية وبدأ بقراءته 🙂

فيييشك.. مشرفي الأسترالي … أستاذ له أكثر من 150 بحث  وأربع كتب في كُبْرى المجلات العالمية …رغم كل هذا تتحدّث معه كما لو كنت تتحدّث مع زميل دُفعتك …كنّا نخرج إلى الكافيتريا سوياً نتناول الشاي …..إلى الآن أتحدّث معه على الاسكايب كما أتحدث إلى أقرب أصدقائي … بالمناسبة هو الآن يعمل في جامعة الملك عبد العزيز في السعودية 🙂 … بعد رجوعي لمصر دعوته لحضور  مؤتمر في مصر وزارني في كلّيتي وأعطى محاضرة هناك … وكانت هذه تُعتبر هي الأولى من نوعها في قسمي.. أن يزور دكتوراً بهذا الحجم معيد مثلي 🙂

من الناحية الدعوية … خلصت إلى نتيجة أحسبها مهمة … أننا عندما نقدّم الإسلام للغرب لا نقدّم الرسالة التي جاء بها محمد صلّى الله عليه وسلّم وحسب … بل نمزجها بخليط من العادات والتقاليد والأعراف الخاصة بمجتمعاتنا … ونعتبرها كلّها دين … لذلك يصعب عليهم تقبّلها … لأنها ليست عاداتهم ولا تصلح لمجتمعاتهم … والإسلام منها براء ….

من الناحية العلمية … تعلّمت أشياء كثيرة … أهمّها أن أقول لا أعلم 🙂 … من الطبيعي جداً أن تجد أستاذاً يقول لا أعلم … آي هاف نو ايديا 🙂  … أيضاً تعلّمت أن البحث العلمى لابد له من فريق عمل وليس عمل فردي …. تعلّمت أن مشاركة أفكارك للآخرين يزيدها وضوحاً وفاعلية ..

من الناحية الإجتماعية … تعلّمت أن الغرب لا يكرهنا كما صوّروا لنا … أقصد هنا عامة الناس في الغرب … الناس هنا معظمهم جيدون  … يلتزمون القانون … يحترمون عادات وتقاليد الغير …